ابن عجيبة
184
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ أي : جمع له جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ بمباشرة مخاطبيه ، فإنهم رؤساء مملكته ، وعظماء دولته ، من الثقلين وغيرهم . وتقديم الجن على الإنس للإيذان بكمال قوه ملكه وعزة سلطانه ؛ لأن الجن طائفة عاتية ، وقبيلة طاغية ، ماردة ، بعيدة من الحشر والتسخير ، فَهُمْ يُوزَعُونَ أي : يحبس أوائلهم على أواخرهم ، أي : يوقف سلاف العسكر « 1 » حتى يلحقهم الثواني ، فيكونوا مجتمعين ، لا يختلف منهم أحد ، وذلك لكثرة العظمة والقهرية . قال قتادة : فكان لكل صنف منهم وزعة « 2 » . أو : لترتيب الصفوف ، كما هو المعتاد في العساكر . والوزع : المنع ، ومنه قول الحسن البصري ، حين ولى القضاء : ( لا بد للحاكم من وزعة ) أي : شرط يمنعون الناس من الظلم . وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر ، دون سوق أواخرهم ، مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضا ؛ لأن أواخرهم غير قادرين على ما يقدر عليه أوائلهم من السير السريع ، وهذا إن لم يكن سيرهم بتسيير الريح في الجو . قال محمد بن كعب : كان عسكر سليمان مائة فرسخ ، خمسة وعشرون للجن ، وخمسة وعشرون للإنس ، وخمسة وعشرون للطير ، وخمسة وعشرون للوحش . وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب ، فيها ثلاثمائة منكوحة ، وسبعمائة سرية . وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم ، فرسخا في فرسخ ، وكان يوضع منبره في وسطه ، وهو من ذهب ، فيقعد عليه ، وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، فتقعد الأنبياء - عليهم السلام - على كراسي الذهب ، والعلماء على كراسي الفضة ، وحولهم الناس ، وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها ، حتى لا تقع عليه الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط ، فتسير به مسيرة شهر ، من الصباح إلى الرواح . وروى أنه كان يأمر الريح العاصف تحمله ، ويأمر الرخاء تسيّره ، فأوحى اللّه تعالى إليه ، وهو يسير بين السماء والأرض : إني زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد بشئ إلا ألقته الريح في سمعك . قال وهب : حدثني أبى : أن سليمان مرّ بحرّاث ، فقال : لقد أوتى آل داود ملكا عظيما ، فالتفت ونزل إلى الحرّاث ، فقال : إني سمعت قولك ، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه ، لتسبيحة واحدة يقبلها اللّه منك خير لك مما أوتى آل داود . ه . حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ أي : فساروا حتى بلغوا وادي النمل ، وهو واد بالشام ، كثير النمل ، قاله مقاتل . أو : بالطائف ، قاله كعب . وقيل : هو واد يسكنه الجن ، والنمل مراكبهم « 3 » . وعدى الفعل ب « على » ؛ لأن إتيانهم كان من فوق ، فأتى بحرف الاستعلاء . ولعلهم أرادوا أن ينزلوا بأعلى الوادي ؛ إذ حينئذ يخافهم من في
--> ( 1 ) سلاف العسكر : متقدموهم . ( 2 ) ذكره البغوي في التفسير ( 6 / 149 ) . ( 3 ) انظر التعليق التالي .